دييغو سيميوني: المقاتل
(November 23, 2018 - source: Getty Images Europe)

دييغو سيميوني: المقاتل

مدرب نادي العاصمة الاسبانيّة، لا يقوده الفوز فقط، بل شيء أكبر في الحياة 

lujainmaf

دييجو سيميوني مهووس بالفوز بأي ثمن.

 

“en la vida, hay que creer” هو شعاره, في هذه الحياة عليك أن تؤمن. 

 

حتى مع وقوف أكبر الفرص و أعظمها متراكمة ضده, كان لديه دائما القوّة والقدرة على إقناع نفسه وكل من حوله أن النجاح ممكن.

 

خذ هذه القصة منذ ما يقرب الثلاثة عقود.

 

عندما تم استدعاء سيميوني –ذو ال17 عامًا- إلى منتخب الأرجنتين (تحت سن العشرين) للمرة الأولى، طُلب منه تقديم تقرير عن التدريب في المكتب الرئيسي لجمعية كرة القدم في وسط مدينة بوينس آيرس.

 

وصل في وقت مبكر, وانتظَر...خمسة, عشرة, ثلاثون دقيقة...هنالك أمر خاطئ.

 

ذهب سيميوني –الشّاب- قلقًا لشراء صحيفة, فسأل البائع إذا كان قد رأى زملاءه في الفريق.

 

"هم غادروا بالفعل, في السابعة صباحاً!" بدأ سيميوني وشاب آخر معه -أنطونيو محمد- بالهلع. كان أول استدعاء لهم للمنتخب و أفسدوا الأمر. 

أو ربما لا.

 

يقول محمد محاولًا التّذكر: "لقد كنا مذهولين، وأدركنا فورًا أننا قد أخطأنا فيموعد الاجتماع".

 

"قمنا بالرّكض إلى المترو، نزلنا في المحطة المركزية ومن هناك كان علينا أن نستقل حافلتين للحاق بالفريق. ركبنا أول حافلة و سارت الأمور على ما يرام، لكننا عند المحطة الثّانية أدركنا أن المال قد نفد و لن نستطيع ركوب الحافلةللوصول للفريق."

 

"ركبنا الحافلة التالية من غير نقود، و في ذلك الوقت قال دييغو للسائق:"انظر و حدّق جيّدًا في هذا الوجه..في إحدى الأيام سأكون لاعب كرة قدم محترف,سألعب للأرجنتين, و سأكون نجماً. تذكّر اسمي، و اسمه أيضًا، لا تنسَنا، نحتاج فقط إلى خدمة صغيرة.."

 

يتذكر محمد كل تفاصيل ذلك الخطاب التحفيزي. بطبيعة الحال، وافق السائق على أخذهم مجانًا.

 

كانت ساحة تدريب الفريق تبعد 6 كيلومترات عن المحطة التي أوصلتهم الحافلة إليها, و لم يكن لديهم خيار سوى الركض.

 

في كل مرة يتعب فيها محمد و يكون على وشك الاستسلام والتّوقّف, كان يشجعه دييغو و يقول: " لا يزال هنالك فرصة, يمكننا أن نفعلها..يمكننا أن نصل" 

 

عندما وصلوا إلى الملعب، كان التدريب قد انتهى فعلًا. 

 

قام دييغو و محمد بشرح ما حدث ل"كارلوس باتشاميه" والذي كان مدرب فريق الأرجنتين U20 آنذاك, و لم يمنعهم غرقهم بالعرق من ذلك

 

تحدث باتشاميه مع كارلوس بيلاردو -المدير الفني للمنتخب الأرجنتيني- و الذي سرعان ما أظهر إعجابه بموقفيهما و شجاعتهما و ذلك بدعوتهم للعب مع كبار اللاعبين في المنتخب, حيث كانت حصتهم التّدريبية على وشك البدء.

 

بعد أسبوع واحد، أخذ بيلاردو كِلا الصبية إلى ألمانيا لينضموا كشركاء لفريق يستعد لنهائيات كأس العالم 1990 في إيطاليا.

 

وبحلول عام 1991، كان كل من سيموني ومحمد قد حجزا لنفسيهما مركزًا أساسيًّا في الفريق تحت قيادة المدير الفنّي الجديد ألفيو باسيلي. كانوا جزءًا من جيل حصد بطولتي كوبا أميركا في عامي 1991 و 1993، وهما أهم الألقاب الأرجنتينية في السّنوات السابقة.

 

وسرعان ما أصبح سيميوني شخصية هامّة لبلاده, و علامة فارقة في المنتخب الأرجنتيني. كان يصنف من ضمن الأفضل في جيله الكروي بجانب لاعب خط الوسط فرناندو ريدوندو, والمهاجم كثير التّسجيل جابرييل باتيستوتا.

 

لعب في ثلاث نسخ متتالية لكأس العالم بين عامي 1994 و 2002 تحت قيادة ثلاثة مديرين فنيين مع ثلاث فلسفات مختلفة لكرة قدم: باسيلي, الذي لعب 4-2-2-2. دانيال باساريلا, الذي فضل 3-5-2 ؛ و 3-3-1-3 من مارسيلو بيلساوالذي يدرّب نادي ليدز يونايتد الآن. 

 

استمر دييغو سيميوني في اللعب و كسب دقائق مع المنتخب أكثر من أسطورة الكرة الأرجنتينية دييغو مارادونا.

 

يقول مدرس الموسيقى الابتدائية والثانوية في مدرستي سيميوني, برونو أماسينو: "دائمًا ما كان سيميوني قائدًا.."

 

"بمجرد أن أمرته بتولي مسؤولية الفرقة بينما كنت أعزف أنا على البيانو, كان عليه أن يعطي إشارات للتلاميذ الآخرين على آلات الإيقاع فقط, لكنه كان يحب أن يقول أنّه كان القائد...حتى لو لم يكن أوركسترا بالضبط لكن دييجو كان رائعا في قيادة المجموعة.

 

"كان يفكر دائماً في كرة القدم، كرة القدم، كرة القدم...عندما كنت أوبّخه: "دييغو، ماذا ستفعل في الحياة! علاماتك لا تبدو جيدة!"

 

كان يجيب: "يا معلم, لا تشك بي، سأكون لاعب كرة قدم." كان أول رد فعل لي هو إخباره أنه لن يكسب قوته من ذلك...الآن عندما أراه، ما زلت أضحك من افتقاري للإيمان ".

 

لم يكن هناك أي مكان للشك والقلق في فريق أتليتيكو. هم أولًا مؤمنين، ثم لاعبي كرة قدم.

 

تحت قيادة سيميوني، النادي الإسباني ليس مجرد فريق، إنه اعتقاد, و إيمان. يمكن أن يغفر لهم لعدم أخذ الأمور بجديّة و لعدم المحاولة بما فيه الكفاية، لكنه لن يغفر لهم أبدًا انعدام الإيمان...هم يؤمنون بشيء مختلف.

 

وبينما يسعى العديد من الفرق الأوروبية الكبرى إلى إرساء نجاحهم في السيطرة على الكرة، لسيميوني نظرة أخرى.

 

وكتب سيموني في أول كتاب له El Efecto (التأثير): "كرة القدم..كالصّيد"

 

"ثانية واحدة يمكن أن تغير كل شيء، ثانية ليست كأي ثانية, إنها كالوميض. في الصّيد, الفريسة هناك وفجأة ليست هناك. في لحظة, إنتهى كل شيء..ولن تتاح لك الفرصة مرّة ثانية....أنت بحاجة إلى معرفة ما هي تلك اللحظة الصّحيحة و المناسبة، وبحاجة لأن تفهم تلك اللحظة. هذا شيء يأتي غريزيًّا، مع التجربة و ذكاء اللاعب".

 

إذا كان فريق مثل برشلونة قد يسعى إلى إخضاع أتليتيكو -و اعتبارها فريستهم- بالنّظر إلى الأتلتي بنظرة فوقيّة، فإن أتلتيكو سيعمل بأسلوب المقاومة, وينتظر تلك الفرصة النادرة للتحول من موقع الفريسة إلى الصّياد.

 

إنها إستراتيجية حصدت أرباح ضد ريال مدريد أيضًا. قبل أن يصبح سيميوني مدرب أتليتكو ​​في عام 2011، لم يهزم الأتلتي منافسيه في العاصمة منذ 14 عامًا. في 28 مباراة منذ ذلك الحين ، فاز الفريق بتسعة ، تعادل 10 ، وخسر تسعة.

 

نعم، فاز ريال مدريد عليهم في نهائيات دوري أبطال أوروبا في عامي 2014 و 2016، ولكن الوصول إلى هذه المرحلة من منافسات النخبة في أوروبا لم يكن وارداً للفريق قبل وصول سيميوني.

 

هذا الأتلتيكو المستضعف هو الذي انتصر في نهائي كأس إسبانيا عام 2013 مع سيميوني، حيث لعب في البيرنابيو. بينما جاء فوز آخر على حساب ريال مدريد في كأس السوبر الأوروبي في "تالين" هذا الموسم, و كان هذا سابع لقب لسيموني منذ أن جاء. عندما وصل دييغو كمدربًّا للنادي، كانوا أقرب لمراكز الهبوط من المراكز الأربعة الأولى.

 

تم تحويل أتلتيكو -الذي كانوا بالكاد ينظر إليهم على أنهم وحوش نيام- إلى لاعبين كبار في كرة القدم الأوروبية النخبوية تحت مراقبته. قادهم سيميوني إلى لقب الدوري الأوروبي، كأس ملك اسبانيا، كأس السوبر الإسباني، لقب ليغا, وكأسين أوروبيين.

 

وقال لويس فيجو -مهاجم البرتغال السابق واللاعب السابق في ريال مدريد الذي لعب ضد "تشوللو" في الدوري الاسباني سابقًا- قبل نهائي كأس أوروبا 2018 في ليون: "عندما أرى هذا الفريق على أرض الملعب..يمكنني أن أعرفأنّه فريق دييغو سيميوني." عندما تفوق أتليتكو ​​على مرسيليا 3-0. "لديهم نفس قوة الإرادة و الشجاعة."

 

 

اللقب "تشولو" يأتي من حاملٍ للاسم نفسه، كارميلو سيميوني. كان الظهير الأيمن لبوكا جونيورز في الستينيات، حيث اشتهر بإيصال الكرة خارج ملعب النادي عندما كان يتخلص منها في منطقته في الدّفاع.

 

كلاعب، كان سيميوني يتمتع بنجاح غير متوقع مع أتليتكو ​​-تذوق القليل مما حصد مستقبلًا- حيث فاز بلقب الدوري والكأس في 1995-96.

 

تبع ذلك مع كأس الاتحاد الأوروبي القديم مع إنتر ميلان في عام 1998، قبل أن يفوز أيضا في الدوري الإيطالي وكأس مزدوجة مع لاتسيو في 1999-00، تحت قيادة مدرب إنجلترا السابق سفين غوران-اريكسون.

 

لكنّه لم يحصل على كل هذا بسهولة.

 

كرة القدم -كما لعبها سيميوني- كانت حربًا. كان جنديًّا يجسّد شخصية الجينرال على أرض المعلب, أما الآن, فهو جينرال بدَور الجندي, ويقاتل في كل معركة من جانب الملعب. 

 

لعب سيموني بشكل احترافي لمدة 20 عامًا تقريبًا, بدايةً من عام 1987 مع فيليز إلى أن تقاعد في نادي ريسينج في الأرجنتين..ولكن في الحقيقة, كان طوال ذلك الوقت مدربًا متخفيًا أيضًا, إلى أن اضطر ليكون واحد حقيقي، وهذا هو.

 

في عام 2006، كان ريسينج يمر في أزمة, و لم يُرد أحدًا أن يجلس في مركز المدير الفنّي. ثم دخل سيميوني، الذي استبدل شارة الكابتن ببدلات سوداء بدأ بارتدائها منذ ذلك الحين. 

 

في مقابلة مع El Grafico , قال سيميوني: "لم تكن تلك الطّريقة التي كنت أحلم بها للتقاعد, ولكن في ذلك الوضع شعرت بأنني لا أستطيع الانتظار. وفي كرة القدم, يأتي القطار مرة واحدة فقط. إما أن تلحقه, أو تفوتك. وأنا أفضّل دائمًا أن أكون في القطار." و أضاف: "لقد كان أفضل قرار كان يمكن أن أقوم به. هل ندمت؟ أبدًا"

 

لطالما كان اتخاذ القرار السريع جزءًا مميزًا من شخصية سيميوني.

 

بدأ الأمر كله في اليوم الذي احتجزه فيه وكيله في مكتب فيليز سارسفيلد, و سأله عما إذا كان يريد اللعب في إيطاليا.

 

كان لدى سيموني صاحب ال19 عامًا فترة مدتها 15 دقيقة فقط للتفكير وللإجابة على السؤال بنعم أو لا. إمّا الآن, أو أن الصفقة مع بيزا ستنهار. 

 

وقال سيميوني "لم تكن هناك هواتف محمولة أو أي شيء آنذاك, لذلك لم أتمكن حتى من الاتصال بوالدي لأخذ رأيهم". و أضاف أيضًا: "في النهاية، فكرت في كل الصور التي رأيتها في الصحف للأرجنتينيين الذين يلعبون في الدّوري الإيطالي."

 

"لكن لم يكن لدي أي فكرة عن المكان الذي كنت ذاهبًا إليه. لم أكن أدرك حتى أن الطّقس بارد في أوروبا, فلقد كان حارّ في الأرجنتين, لذا لم أحزم بشكل صحيح".

 

كان سيميوني قد صنع اسمه في اللعبة على أنه "لاعب محترف", أو هذا كان المصطلح الذي يستخدمه المدير السّابق للمنتخب الأرجنتيني كارلوس بيلاردوليصف اللوتشو به.

 

كان مثالا للاعب بلا حدود, لاعب يلعب في اليمين و في الوسط في ملعب الدّيار و في خارج الدّيار يلعب في اليسار. لاعب يهاجم بشكل رائع و يدافع بشكل أروع ويسجل الكثير من الأهداف برأسه.

 

أصبح قائد فرقة الأوركسترا بعد كل هذا. ربما لم يكن اللاعب الأكثر موهبة,لكنّه كان لديه موهبة لفهم ما تحتاجه اللعبة, وأين تكمن التفاصيل الصغيرة لإحداث الفرق في المباريات.

 

في إحدى المرّات, قبل مباراة للأرجنتين ضد الأوروجواي, وضّح سيميونيكلمات مألوفة في كرة القدم في أمريكا الجنوبية منذ عقود على أرض الملعب: "اللعب بالسكين بين الأسنان".

 

كل لعبة كانت صراع. انتصر الأكثر شجاعة, والأكثر دهاءً, فقط.

 

في عقل سيميوني, لم يكن هنالك مكان للخلق الحسن, إمّا أن تكافح لتأكل, أو ستؤكل, لنأخذ بطاقة ديفيد بيكهام الحمراء الشهيرة في كأس العالم 1998 في فرنسا على سبيل المثال. قام سيميوني المفعم بالنشاط بإسقاط لاعب خط الوسط الإنجليزي ثم استفزازه بينما كان يرقد على العشب، مما أثار ردة فعل بيكهام أمام الحكم كيم ميلتون نيلسن.

 

عندما شعر سيميوني بالالتحام مع بيكهام, قام باستغلال الفرصة و سقط أرضًا و هوّل الأمر, كان يعلم أنه يستطيع أن يربح شيئًا من هذا.

 

و كتب سيميوني في كتاب له: "أن أربط الكرة بالملاكمة..بقتال الشّوارع...في كلتا الحالتين هناك دائما لحظة واحدة, ثانية, يُظهر فيها شخص ما الخوف في عينيه, و في جسده...في كرة القدم الشّيء عينه تمامًا, عندما يشعرالفريق الخصم بخوف الآخر, فإنهم يستغلون الموقف من غير رحمة." 

"ربما تكون الطّريقة المثالية لفرض الخوف على الخصم هو جعلهم يفهمونويوقنون أننا ليس لدينا أي خوف".

VAVEL Logo